المعالجة السياسية بالصدمات الاقتصادية

لا شك أن عقيدة الصدمة Shock Doctrine ، منظرها ميلتون فريدمان وقبله فريدريك هايك النمساوي، إحدى ابرز سمات النيوليبرالية الرأسمالية “رأسمالية الكوارث” والتي تسعى لاستغلال الصدمات والكوارث الطبيعية أو الاقتصادية لتمرير السياسات الاقتصادية التحررية وتعزيز اقتصاد السوق، وتخفيف دور الإنفاق التدخلي الحكومي الاجتماعي الذي يساهم في تحسين توزيع الدخل وتوفير الخدمات الاجتماعية للفئات المهمشة، وهذه السياسات غير مقبولة شعبيا لذا تستغل الصدمات لعزل التأثير المجتمعي الممكن وتطبيق هذه السياسات التي تعزز مكانة الأغنياء وتزيد من تهميش الفقراء وتزيد من سوء توزيع الدخل والثروة في المجتمع.

وإنما تستغل الصدمات الطبيعية بيئة كانت مثل إعصار كاترينا-نيواورلينز، والذي تم خصخصة مدارس القطاع العام للسود الأمريكيين حيث لم ينجحوا قبلا، أو اقتصادية كانهيار الأسواق في الدول المتقدمة الرأسمالية نظرا لمحدودية قدرة الليبراليين على اصطناع الصدمة في ظل الرصانة المؤسسية والقانونية الدستورية في تلك الدول.

أما الدول الفقيرة والغير ديمقراطية أو الهشة ديمقراطيا فتشكل مرتعا لاصطناع الصدمات سواء من خلال الحروب أو الانقلابات العسكرية والحصار والانقسامات الداخلية ومن خلال الأذرع الرأسمالية كالشركات متعددة الجنسيات أو القوى العسكرية المباشرة أو وكلائهم الدكتاتوريين من اجل تمرير تلك السياسات والتي تسعى لتحقيق أهداف اقتصادية أو سياسية على حد سواء.

وقد شاهدنا كيف أمكن تمرير السياسات الاقتصادية التي لم تكن ممكنة من قبل حكومات أكثر قبولا في العقود الماضية كتحرير سعر الصرف والأسعار المدعمة في مصر وذلك على اثر صدمات الثورة المضادة وغير ذلك في العربية السعودية والعراق وتونس وليبيا وما يحدث في لبنان وغيرها الكثير تاريخيا من روسيا لجنوب إفريقيا وتشيلي وبولندا واندونيسيا والأرجنتين والبرازيل وغيرها دون ترتيب.

إن هذه المقدمة تفتح الأفق عن المسرح المكثف لاستخدام هذه العقيدة في الساحة الفلسطينية من اختلاق للصدمات العسكرية والاقتصادية والمجتمعية واستغلال حتى الصدمة الصحية بفيروس كورونا لتمرير الكثير من السياسات واستدامة الأوضاع الاقتصادية المخلقة لتحقيق الأهداف السياسية لفرض حالة من أوضاع الحل النهائي على الأرض الفلسطينية وللقضية الفلسطينية برمتها.

بادئ ذي بدء من خلق الحالة الاستفرادية في الكيان الفلسطيني الجديد معززا بالمال السهل من الإعانات الغربية وتعزيز مكونه الأمني على حساب الاجتماعي والمدني الديمقراطي لينتج الفساد باستدامة وليتولد كيان جديد أحادي السيطرة في قطاع غزة فيخلق انقسام مستدام في النخب السياسية والمجتمعية.

ثم تصحب هذه الحالة بعدوانات عسكرية مستمرة وحصار اقتصادي خانق من خلال مكونات الحالة الذاتية الفلسطينية والأدوات العسكرية الصهيونية لتدمير مكونات القطاعات الإنتاجية الفلسطينية وزيادة الاعتماد المستمر على فوائض إنتاج القطاعات الإنتاجية الإسرائيلية والتحكم في عمليات إعادة الاعمار واستنزاف كافة المقدرات الفلسطينية والموارد من مدخرات وإنتاج ومساعدات خارجية لتعود وتصب في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي..

والأخطر من ذلك أن شكلت حالة من الإرباك وفقدان السيطرة فلسطينيا والاندماج في حلحلة الاحتياجات الاقتصادية والمالية الجزئية والصغيرة وشغلت الكل الفلسطيني عن صياغة حالة وطنية ورؤية إستراتيجية تدفع القضية الفلسطينية إلى الأمام، بل تتماهى مضطرة مع الأهداف المقصودة لهذه السياسة الصهيونية الصادمة بتذويب القضايا السياسية في المستنقع الاقتصادي والإنساني. وانسحبت الحالة على المؤسسات والأفراد فترى الناس سكارى وما هم بسكارى.

لم تقتصر الصدمات المصطنعة على ذلك وإنما عززت حالة الحصار الانتهازية الفلسطينية التي تستفيد من الاستغلال ورفع الأسعار بسبب وبدون سبب في ظل حالة العجز المؤسسية على الرقابة بل وعززت هذه السياسة الإسرائيلية سلاسل التزويد التي ترتبط بالاحتكارات الصهيونية وأذيالها الفلسطينية مما زاد فوارق الدخول بالضفة والقطاع على حد سواء.

إن سياسة العقوبات التي تمارس على السلطة الفلسطينية واحتجاز الأموال في ظل حالة الانقسام المجتمعي والنخبوي فاقمت انفصال الحالة فوقعت عقوبات الراتب المسيس أصلا، باتت مستساغة في ظل الجائحة، وزادت فوارق الدخول وتباينت المؤشرات الاقتصادية بين الضفة والقطاع وكأنهما عالمين مختلفين مما عزز طرح الحلول الاقتصادية عوضا عن السياسية وبجدارة. كما فرضت الأزمات الاقتصادية المتتابعة نخبا اقتصادية في الحكم عززت الاقتراض والاستدانة وتقليص الجهاز الوظيفي العام وإطلاق العنان للرأسمال الانتهازي والاحتكاري تحت مسميات اقتصاد السوق، مما يستحضر لديك سياسات صندوق النقد الدولي. إن هذه المصائد التحفيزية تضمن التدمير المستمر، وهذا مجال حديث آخر.

إن الدرس الأساسي في نظرية اللعبة Game Theory  هو أن تضع نفسك مكان اللاعب الآخر، فهل يمكن للنخب أن تستدرك الأحداث وتتعلم الدرس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى